http://assets.natgeotv.com/Shows/6612.jpg

سؤال وجواب مع ديفيد هاملين


س: تمكن فريق العمل في هجرات عظمى من الحصول على بعض اللقطات الرائعة لما يُعتقد أنه أكبر هجرة للثدييات الكبيرة على الكوكب؛ وهو الثيتل، فما أكثر شيء أدهش فريق العمل أثناء هذه الرحلة؟

ج: تعد هذه الهجرة واحدة من أكبر وأهم الهجرات على الكوكب التي تتم كل عام بعد هطول الأمطار ويشارك فيها أكثر من مليون حيوان، تعبر أثناءها تلك الحيوانات كثيرًا من الأنهار، وقد قاموا من قبل بالمرور بمثل هذه المناطق، ولكن الممتع في الأمر هو ما رأيناه يتخذ قرار الارتحال؛ فقد كانت الأمهات هي التي تقود المسيرة، مع حماية الأبناء ومرافقتهم، وليس الذكور. واشترك في هذه الرحلة الحمار الوحشي، وكما كان متوقعًا فقد كانت التماسيح الضخمة في انتظارهم.

وكما نعلم فقد لا يتمكن كل حيوان من تلك الحيوانات العابرة للنهر من الوصول إلى بر الأمان، وقد قمنا بتصوير كثير من المشاهد المأساوية، لعل أكثرها إيلامًا وفجعًا مشاهدة إحدى أمهات حيوانات النو تعبر النهر بوليدها وقد أوشكت على الوصول بأمان إلى الضفة الأخرى من النهر؛ فيظهر أحد التماسيح في اللحظة الأخيرة لينتزع الوليد ويجتذبه إلى المياه مرة أخرى. وقد تأثر فريق العمل بشكل كبير لرؤية مثل هذا المشهد عيانًا، كما أنه لا يقل إيلامًا عند رؤيته من خلال الشاشة، إلا أنه يعكس بقوة الخطر الذي تتعرض له تلك الحيوانات عند قيامهم بالهجرة بحثًا عن الغذاء والبقاء.

وبغض النظر عن بعض التحديات التي تتعلق بالتوقيت؛ كنزول المطر بشكل غير متوقع في بعض المناطق؛ مما اضطر القطيع ليعود أدراجه لمسافة 160 كيلومترًا - فقد تمكننا من تصوير دورة الحياة كاملة - وهو ما ندر تحقيقه من قبل - في فصلٍ واحد. وقصة حيوان الثيتل هي قصة شديدة الأهمية؛ فلا يمكن التحدث عن الهجرات العظمى دون ذكرها، إلا أن التحدي الذي واجهنا هو محاولتنا للقيام بذلك بطريقة مختلفة؛ وذلك باستخدام بعض كاميرات التصوير المعقدة، وأحدث أنواع الطائرات الهليكوبتر، وكاميرات التصوير البطيء عالية الوضوح.

س: واحدة من أكثر الهجرات خطورة في تصويرها كانت تلك الخاصة بالكوب أبيض الأذنين في السودان، هل لك أن تطلعنا عما حدث في ذلك الجزء؟


ج: تعد السودان بلدًا محفوفًا بالمخاطر؛ نظرًا لدخولها في كثير من الحروب الأهلية المدمرة التي استمرت لعقود؛ مما يجعل الذهاب إليها ليس بالقرار الصائب. ونظرًا لاستمرار حظر الدخول إلى هذه البلد لأكثر من عقدين؛ فلم يكن العلماء والباحثون على ثقة مما إذا كان الكوب أبيض الأذنين ما زال موجودًا هناك أم لا، فقد كانت المرة الأخيرة التي تم تصوير هذا الحيوان فيها في عام 1982، فقامت "ناشيونال جيوغرافيك" بالتعاون مع بعض الزملاء من "جمعية الحفاظ على الحياة البرية" للتمكن من الوصول إلى جنوب السودان؛ حيث تمكنا من فهم القصة. كانت هذه الرحلة كالملحمة؛ حيث قام فريق العمل بالسفر لأيام في الطرق الوعرة وسط أماكن نائية، مستخدمين سيارات يبلغ عمرها 40 عامًا، مرورًا ببعض المناطق التي مزقتها الألغام يسكنها جنود سابقون يبرزون بنادق الكلاشنكوف 47، وأشعر بالفخر على وجه الخصوص لما قام به فريق العمل لدينا ليتمكن من تصوير هذه القصة، وهو ما نجح فيه في النهاية؛ نتيجة للتعاون والثقة أثناء التصوير.

وبدلاً من رؤية السهول فارغة، فقد وجدنا أعدادًا كبيرة من الكوب أبيض الأذنين ونظن أن عددهم قارب المليون، ويمكن مقارنة هجرة الكوب أبيض الأذنين بهجرة الثيتل من حيث حجمها والمساحة التي تغطيها، وقد تمكَّنَّا من تصويرهم في وقتٍ رائع، من حيث المكتشفات العلمية المتعلقة بهجرتهم وأحداث الهجرة ووقائعها، فعند هجرتهم أثناء موسم الجفاف، يتجمع الذكور منهم في ساحة قتال كبيرة ويتصارعون من أجل جذب انتباه الإناث واهتمامهم، ويمكن أن تصل هذه المصارعة إلى حد أن يقوم أحدهما بقتل الآخر، أما خلال باقي العام فلا نجد الكوب أبيض الأذنين يتركز في مجموعات كثيفة كهذه، ولكنهم يميلون إلى التفرق.

ويعد الكوب أبيض الأذنين من الحيوانات الخجولة جدًّا؛ مما جعل الحصول على هذا المشهد أمرًا في غاية الصعوبة. إلا أن رؤية ذلك الحيوان، وتصويره، والمساهمة في معرفة الآخرين به في المستقبل وبأنماط هجرته وبهذه المنطقة ككل - يعد أمرًا رائعًا.

س: تعد هجرة الحيوانات بمالي من الهجرات المثيرة بشكل كبير، فما أبرز التحديات التي واجهتموها أو الاحتياطات التي اتخذها فريق العمل أثناء تصوير أفيال مالي؟


ج: نادرًا ما يتم تصوير أفيال مالي، نظرًا للتاريخ الحافل عنهم من صيدٍ وقتلٍ؛ للحصول على العاج من أنيابها، وأفيال مالي خجولة جدًّا، وكان تصويرها عن قرب تحديًا كبيرًا يواجه فريق العمل.

وقد احتجنا لاتخاذ بعض الاحتياطات الإضافية حتى لا تشعر بنا الأفيال؛ فعلى الرغم من جو مالي شديد الحرارة – والذي يصل دائمًا إلى 48 درجة مئوية – لم يتمكن فريق الإنتاج طوال مدة إقامتهم هناك من استخدام الشامبو أو اللوشن أو الصابون أو مساحيق الغسل لغسل ثيابهم، كما كان يجب علينا أن نبقى دائمًا في اتجاه الريح حتى لا تشعر بنا الأفيال.

ولكن "بوب بول" – المصور - يتمتع بمهارة فائقة في تصوير الأفيال وتحليل سلوكهم، فكان يخرج كل يوم إلى القطيع مدركًا ضرورة أن يظل في اتجاه الريح؛ وإلا سيصبح في خطر شديد من إمكانية مهاجمة الأفيال له إذا شعرت به الأفيال أو شمت رائحته، مع الوضع في الحسبان عدم وجود أشجار يمكن تسلقها، وأن سيارته كانت بعيدة جدًّا؛ إلا أن "بوب" لم يبال بكل ذلك وقام بتصوير أفضل المشاهد – من وجهة نظري – التي تم تصويرها لأفيال الصحراء.

س: هل لك أن تحدثنا قليلاً عن المسافات التي احتاج فريق العمل إلى قطعها للحصول على بعض اللقطات لـ"الصقر الجوال" أو "الشاهين" وبعض الهجرات الأخرى التي تقطع ممر الهجرة الجوية بطول نهر المسيسبي؟

ج: يعد نهر المسيسبي موطنًا لأحد أكبر هجرات الطيور في أمريكا الشمالية، وقد قمنا بتتبع ذلك لمدة عامين، إنها تبدأ مع استقبال فصل الربيع؛ حيث تتجمع آلاف وآلاف الطيور ذات الألوان الزاهية والرائعة؛ مثل: البط والإوز والبجع والإوز العراقي والطيور الجارحة - لتبدأ رحلتها شمالاً وجنوبًا بحثًا عن الطعام والمأوى.

وقد حصلنا على بعض اللقطات الرائعة لـ"الشاهين" في هذه المنطقة، فنراها جاثمة على المنحدرات الشاهقة فوق النهر في انتظار جموع الطيور المغردة لتبدأ رحلة هجرتها من خلال هذه المنطقة، وقد تمكنا من تصوير أحد المشاهد لعش أحد طيور الشاهين المفترسة؛ حيث تقوم الأنثى بجلب أحد هذه الطيور المغردة لصغارها.

ولتصوير هذا المشهد؛ كان على  "نيل ريتيج" – المصور - أن يقضي 12 ساعة يوميًّا لمدة أسبوعين في مكمن معلق على جرف بارتفاع 120 مترًا، فكان يتسلق نهارًا، ويجلس في غاية الهدوء لمدة 12 ساعة ليتمكن من الحصول على مشهد واضح للصقور وتصويرها دون إخافتها حتى لا تهرب، ثم يتسلق نازلاً ليلاً بحبل. ومن بين من أعرفهم لم يقم أحد من قبل بما قام به "نيل" ليتمكن من تصوير عش أحد الطيور الجارحة الجوالة.

س: دعنا نتحدث عن إحدى الهجرات الجوية الأخرى، هجرة ذباب مايو، وكيف يمكن أن تُخِلَّ إحدى المخاطر البسيطة - كعاصفة رعدية - بالتوازن البيئي؟

ج: يقوم "ذباب مايو" بنوع من الهجرة الرأسية؛ فينطلق من قاع نهر المسيسبي ليصعد إلى سطح الماء ثم يتسلق النباتات والأشجار، ويقوم بتغيير جلده، ثم يطير ويتجمع في مجموعات تتألف من الملايين من فصيلته، لقد أردنا تصوير واحدة من هذه التجمعات الهائلة – والتي تعد بمثابة وليمة حقيقية للطيور – وأثناء البحث عنهم واجهنا أحد المواقف الطريفة؛ فقد تلقى فريق العمل مكالمة من هيئة خدمات الطقس تحذرنا من وجود عاصفة رعدية في المنطقة، وفي حقيقة الأمر لم تكن تلك بالعاصفة الرعدية؛ بل كانت تجمعًا هائلاً لـ"ذباب مايو" بدا كسحابة كبيرة! لقد تحركنا في هذا الظلام وقمنا بتصوير بعض اللقطات المذهلة، وبينما كنا نقوم بالتصوير في وسط هذا التجمع الضخم - ظن فريق العمل بأن القارب امتلأ بما يزيد عن 270 كيلوجرامًا من "ذباب مايو" الميت أو الموشك على الموت.

س: بعيدًا عما أفادتكم به التقنيات الحديثة من كاميرات متقدمة وعالية الوضوح، ما الأدوار الأخرى التي ساهمت بها التقنية الحديثة في هذا الإنتاج؟


ج: كان نظام تحديد المواقع العالمي منقذًا لنا؛ حيث خلت كثير من الأماكن التي قمنا بتصويرها من الطرق أو الدروب أو أي من الوسائل التي تساعدنا في تحديد مسارنا، لقد وصلنا إلى أماكن لم يطأها من قبل أي من المصورين؛ وبالتالي فإن استخدام نظام تحديد المواقع العالمي لتحديد موقعنا، والتمكن من العودة مرة أخرى إلى نفس النقطة التي كنا فيها - كان أمرًا ضروريًّا؛ فقد ساعدنا هذا النظام في أن نشق طريقنا وسط الحشائش الإفريقية التي يزيد طولها عن طول السيارة التي كنا نستقلها، كما ساعدتنا في العثور على مستعمرات النمل المحارب وتتبعها، والذي يعد كالبحث عن إبرة متحركة في كومة من القش بحجم الغابة.

ولكن على قدر ما ساعدتنا التقنية في إنجاز مهمتنا كانت أيضًا خبرة فريق العمل وحدسه من الأهمية بمكان؛ وهو الحدس الذي ساعدهم بشدة في معرفة ما قد تقوم به الأفيال، وتحديد أماكن تواجد الحيتان عن بعد من خلال تمييز النَّفَس الذي تطلقه الحيتان بين قمم الأمواج البيضاء، وخاصة في الأيام العاصفة والمتربة التي تهب فوق صفحة المحيط الواسعة؛ وهو ما لم يتأتِ لهم إلا من خلال خبراتٍ اكتسبوها على مر السنوات حول ما يمكنهم وما يجب عليهم البحث عنه بالعين المجردة.

وفي بعض الأحيان، حقق استخدام بعض الوسائل التقنية البسيطة النتائج التي كنا نريدها؛ فقد عرفنا - على سبيل المثال - مدى حساسية الحيتان تجاه أصوات المحرك شبه الصامت الذي كان مثبتًا في القارب الذي كنا نستخدمه؛ ولذا كان علينا أن نلجأ إلى استخدام زوارق مطاطية تعتمد على الجهد البشري في التجديف.

س: في ظل وجود كثير من أحداث دراما الحياة والموت أثناء الهجرات، هل مرت لحظات خاصة مؤثرة على طاقم العمل؟


ج: لقد قمنا بتصوير هجرة صعبة ومؤثرة للحمار الوحشي؛ فملاحات بتسوانا تعد فرنًا حقيقيًّا يجمع بين الحرارة والأتربة والملح، لقد كان التصوير في هذا المكان صعبًا للغاية، إلا أن "ديريك جوبرت" و"بيفيرلي جوبرت" - اثنان من أفضل صانعي الأفلام على الأرض - تمكنا من الغوص في أعماق هذا الفرن بحماس شديد.

هناك أحد المشاهد التي قمنا بتصويرها وأراها تفجع الألباب على نحو خاص؛ كان ذلك مشهدًا لأنثى الحمار الوحشي التي ماتت في هذا الحر الشديد تاركة ورائها صغيرها تائهًا وعاجزًا؛ ولكن في تصرف مدهش، نرى الذكر القائد لهذه المجموعة – والذي سيختار في أغلب الأحيان التخلي عن الصغير – ينتظر معه بينما تستكمل الإناث طريقها، تاركة إياه مؤقتًا. لا يمكن لأحد أن يجزم بالسبب؛ إلا أنه بدا وكأن هذا الذكر قد اختار البقاء ومحاولة إنقاذ ذلك الصغير ويجعله يلتصق به كأحد والديه وأن يتبعه، أو قد يكون اختار العناية بهذا الصغير كما يفعل الذكور عادةً مع إناثهم، وفي النهاية فقد فعل الصغير هذا الشيء عينه؛ فقام باتِّباع الحمار الذكر تاركًا من ورائه أمه لتصبح فريسة للنسور أو الثعالب، كان هذا المشهد أحد المشاهد العميقة والمؤثرة التي مرت بنا، واتخذناه حجر الزاوية لإحدى الحلقات بعنوان: "سباق من أجل الحياة".

كتبت منتجة حلقة هجرة الفراشات في مدونتها عن تجربتها العاطفية في تصوير هذه الهجرة، أن أحد أكبر المخاوف لديها كانت ركوب الطائرات، وقد علمت عند تصوير هذه الهجرة أنها ستضطر إلى ركوب إحدى الطائرات الشراعية مع الطيار لتصوير الفراشات؛ فكتبت تقول: إنها بمجرد الوصول إلى أعلى حيث فراشات الملك، وبينما تصورها باستخدام تقنية التصوير البطيء لالتقاط الحركات السريعة وتصوير كل ضربة جناح تقوم بها الفراشة - شعرت بالإثارة والفرحة الغامرة إلى حدٍّ جعل دموع الفرح تنهمر من عينيها.

س: تعد سلسلة "هجرات عظمى" أكثر من مجرد مجموعة من المشاهد الرائعة؛ فهي تقدم رؤية مذهلة لهجرات الحيوانات، بل وتعرض بعض السلوكيات التي تمت ملاحظتها حديثًا؛ فما المشهد الذي يساعد العلماء في معرفة المزيد عن تلك الهجرات؟

ج: قمنا في مالي بتصوير أكبر قطيع من أفيال مالي أثناء قيامه بأطول هجرة تقوم بها الأفيال، وقد منحنا ذلك الوقت والمادة العلمية للدراسة والمراقبة والتعلم.

كما نعتقد أننا قد قمنا بتصوير أكثر المشاهد تفصيلاً لهجرة سرطانات البحر الحمراء في جزيرة الكريسماس، وبأننا أول فريق تصوير منذ حوالي 30 عامًا يقوم بتصوير الكوب أبيض الأذنين في السودان.

كما أن الجزء الخاص بـ"علم الهجرات العظمى" يعرض العمل الذي قام به العلماء من تثبيت أجهزة الإرسال اللاسلكية على الفراشات، وهو ما لم يقم به أحد من قبل.

ونعتقد أيضًا أننا قد قمنا بتصوير التغطية الأكثر تعمقًا لعددٍ من الهجرات، من بينها هجرات الحمار الوحشي في بتسوانا، والأفيال في مالي، والسرطان الأحمر في جزيرة الكريسماس، والثعالب الطائرة في أستراليا، والنمل المحارب في كوستاريكا، والقرش الأبيض العظيم في المحيط الهادئ.
وفي النهاية، فإن المشهد الذي تمكنا من تصويره لأحد أسماك القرش الأبيض العظيمة أثناء مهاجمتها لأحد أفيال البحر والتهامه - لم يسبق تصويره من قبل بالتفاصيل التي قدمناها نحن، وهو ما يعد بحق أحد المشاهد الرائعة التي يصعب تصديقها.

س: كان التصوير الجوي لبعض هذه الهجرات مذهلاً، بيد أنه توجد بعض اللقطات الرائعة تحت الماء لسرطانات البحر الحمراء وهي تطلق بيضاتها، وتلك البيضات وهي تفقس. هل لك أن تحدثنا قليلاً عما كانت تبدو عليه هذه اللقطات؟


ج: قمنا بتصوير سرطانات البحر الحمراء في جزر الكريسماس (بين أستراليا وإندونيسيا). إن هذا الحدث لا يتكرر سوى مرة واحدة في العام؛ فمع حلول فصل الرياح، يأخذ ما يقارب الـ50 مليون سرطان بحري طريقه نحو المحيط من الغابة. إنها هجرة لا تصدق، وهي تعد واحدة من الهجرات المفضلة بالنسبة لي. وفي حقيقة الأمر، كانت هذه واحدة من الهجرات التي لا يمكنني تفويتها؛ فقد كنت مدفوعًا لمشاهدتها بنفسي. في العام الذي قمنا فيه بتصوير هذه السرطانات البحرية لم تكن الأمطار بالغزارة التي كانت عليها في الأعوام الماضية؛ لذا فقد عانت السرطانات البحرية أثناء سيرها. إن الأراضي المكشوفة هي الموت بالنسبة لها؛ حيث إن الشمس والحرارة المرتفعة تجفف رئتيها فتموت، وبالنسبة للسرطانات البحرية الحمراء، تعتبر كل قطرة مطر نَفَسًا تستنشقه من الهواء النقي. ثمة تحدٍّ آخر كان يواجهها في سباقها نحو الماء؛ وهو ما يعرف بالنمل الأصفر المجنون؛ فهذا النمل العدواني ينفث الحامض في عيني السرطانات البحرية فيفقدها الإبصار؛ فلا يستطيع السرطان البحري الحركة ويموت في الشمس.

يصل الذكور أولاً إلى الشاطئ ويحفرون حفرًا للإناث، وتنضم إليهم الإناث بعد ذلك بأسبوع وتدخل في هذه الحفر حتى ينمو ما تحتضنه من بيض وهو ما يصل عدده إلى 100.000 بيضة، ثم يحدث شيء إعجازي؛ فعلى الرغم من أن الإناث تكون مدفونة تحت الأرض، إلا أنها – بطريقةٍ ما – تعرف الليلة التي يكون فيها القمر أقل حجمًا؛ ومن ثم يكون المد فيها منخفضًا، ثم تخرج من تحت الأرض وتتجه نحو الشريط الساحلي وتضع بيضها في الماء. عادة ما يكون لون الماء أزرق، ولكنه يتحول إلى الأسود بفعل هذا الكم الهائل من البيض.

من الطبيعي عندما تحدث هذه الهجرة أن ينتشر بيض هذه السرطانات البحرية في أرجاء المكان، وهو عادةً ما تأكله الأسماك أو تبعثره الرياح. ولا تكون الظروف مناسبة ليمكن للبيض العودة إلى الشاطئ إلا في سنواتٍ قليلة.

لقد حالفنا الحظ كثيرًا في مهمتنا وكنا على أهبة الاستعداد؛ فقد تمكنا من مشاهدة البيض وهو يفقس ومتابعة خروج هذه المخلوقات الصغيرة التي تشبه في شكلها الجمبري والمسماة "الميغالوب". ولكن المعجزة الحقيقية حدثت عندما خرجت ملايين من هذه السرطانات البحرية الصغيرة من البحر، واجتاحت الشواطئ وهي تستهل حياتها بالهجرة ذهابًا وإيابًا من البحر إلى الغابة. إنه أمر مذهل حقًّا.

س: هل كان للطقس أي تأثير على التصوير في الأماكن التي لم تتوقعوا لها هذا الطقس؟


ج: عندما وصلنا ويسكونسن بالولايات المتحدة، كنا نتوقع مشاهدة المئات من فراشات الملك، ولكننا لم نجد أيًّا منها؛ وهو الأمر الذي أدهش أحد خبرائنا الذي ظل يدرس هذا النوع من الفراشات على مدار الثلاثين عامًا الماضية. في تلك الفترة من العام، كان من المعتاد أن تجد في هذه المنطقة مئات الفراشات، ولكن في هذه المرة لم نصادف – على حد ظني – سوى 7؛ وهو ما دفعه للاعتقاد بأن ذلك يرجع إلى الطقس البارد غير المتوقع. لقد حدثت أمور كثيرة في العام الذي قمنا فيه بالتصوير هناك؛ ففراشات الملك تتغذى وتتكاثر على حشائش اللبن، ولكن حشائش اللبن كانت قد تجمدت ولم تَنْمُ. من المعتاد أن يصل طول هذه الحشائش إلى متر ونصف المتر، ولكن في هذه المرة لم يتجاوز طولها 12 سنتيمترًا فقط، وهو ما جعل الظروف أكثر تحديًا، بيد أن طاقم العمل تمكَّن من تجاوزها بشكلٍ رائع وعاد يحمل معه بعض أكثر اللقطات المحببة إليَّ في هذه السلسلة برمتها.

س: عندما تفكر في مشروع هجراتٍ عُظمى بأكمله، في رأيك ما هي أهم العوامل التي ساهمت في أن يحقق هذا العمل نجاحًا ساحقًا؟


ج: ثمة صفتان أساسيتان؛ هما المثابرة والصبر، ودونهما كنا سنضيع هذه اللحظات القلائل والمعجزات الحقيقية، وأعتقد أننا قد أحسنَّا إعداد أنفسنا؛ فكنا على أتم الاستعداد لأي شيء تقريبًا.

إن سلوكيات الهجرات التي طالما ظلت تتبع توقيتات دقيقة في حدوثها بدأت تتغير؛ فعلى سبيل المثال: في رحلة التصوير الأولى بجزر الفوكلاند، أردنا المجيء خلال فترة الأسبوعين التي يصل خلالها بطريق روكهوبر، ولكن ما أن وصلنا حتى اكتشفنا أن البطريق كان قد وصل بالفعل. إن كثيرًا من أنماط السلوك الحيواني تبدو وكأنها تتغير، ويعتقد بعض علماء الفريق أن التغير المناخي له دوره في هذا الصدد. إن هذه الأنماط المتغيرة تمثل بعض التحديات الكبرى التي تواجهنا؛ ولكن حيث إن فريقنا يضم أفضل النخبة - استطعنا مواصلة العمل والعودة بلقطاتٍ رائعة. ويحدونا الأمل في أن نكشف للعالم نوع التأثير الذي تتركه بيئتنا المتغيرة وتأثيرنا البشري على هجرات الحيوانات.

س: بمناسبة الحديث عن تغير المناخ، هل لك أن تلقي مزيدًا من الضوء على الدور الذي يلعبه الجليد في هجرات الحيوانات، ولاسيما بالنسبة للفظ الباسفيكي؟

ج: لم تُسجَّل من قبل رحلة للفظ الباسفيكي، وثمة قصة مناخية مهمة تدور أحداثها في شمال شرق روسيا. إن هذه الحيوانات ضخمة؛ بل أكثر ضخامة من أقربائها في منطقة الأطلنطي، وفي كل عام تسافر هذه الحيوانات من ألاسكا إلى روسيا؛ حيث يشكِّل الجليد مسارًا دائريًّا يساعدها في الالتفاف حول المنطقة القطبية، ويحتاج الفظ الباسفيكي إلى الجليد ليتمكن من البقاء على قيد الحياة، ولكن عندما سافرت الإناث برفقة صغارها لتعبر روسيا في هذا العام (وهو الحال على مدار الأعوام القليلة الماضية) - لم يكن هناك جليد كافٍ في الأماكن التي تستريح فيها من السباحة.

تهاجر ذكور هذا الحيوان أولاً إلى شواطئ شمال شرق روسيا؛ إلى منطقة نائية تدعى تشوكوتكا، وعندما تخرج من الماء يكون لونها شاحبًا أو رماديًّا؛ حيث يكون دمها بالكامل مركزًا في وسط جسمها؛ بسبب تلك الرحلة المرهقة، ولكن ما تلبث أن تدفأ تحت الشمس حتى يتحول لونها إلى اللون الوردي.

عندما تلتقي الإناث والجراء معًا؛ فإن مكان استرخائها التقليدي يكون فوق الجليد، ولكن الآن لا يوجد جليد كافٍ؛ لذا فإنها تجد نفسها مجبرة على الاستلقاء على الشاطئ إلى جانب الذكور في مجموعة مكتظة مأساوية. متى وصلت هذه الحيوانات إلى روسيا، فإنها تقوم بصعود المنحدرات والتلال الموجودة على جانبي الشريط الساحلي؛ حتى تتمكن من العثور على مكانٍ آمن تستريح فيه، غير أن وزنها الساحق (يصل وزن الذكور منها إلى طنين اثنين ويبلغ طولها ثلاثة أمتار ونصف المتر) والإرهاق الشديد - يحصدان منها الكثير؛ فتفقد المئات من حيوان الفظ حياتها كل عام تحت وطأة الهجرة والجليد المتغير. إنها أزمة محتملة متزايدة تجري في إحدى الزوايا النائية من العالم.

س: ماذا يعني هذا المشروع بالنسبة لك وبالنسبة لفريق هجرات عظمى؟


ج: كانت سلسلة هجراتٍ عظمى من قناة ناشونال جيوغرافيك ملحمة امتدت لثلاث سنوات لكل من شارك فيها. وسواءً كفريقٍ أو كأعضاء - كانت تصور هجرة الأنواع. كانت هذه السلسلة مغامرة أطلت علينا بتحدياتها وأنهكتنا؛ ولكنها تركت لنا في النهاية ثراء الرحلة. لقد اجتذب هذا الإنتاج أمهر صناع أفلام الحياة البرية ليتبادلوا مهاراتهم ويصلوا بأنفسهم إلى آفاقٍ جديدة.

لقد كان هناك شيءٌ مختلفٌ حول هذا المشروع منذ اليوم الأول له؛ ربما كان ذلك هو حجم الإنتاج غير المسبوق، والموارد الهائلة المرصودة لنجاحه. من السودان إلى سيبريا، ومن أستراليا إلى الأمازون، ومن بيرو إلى بالاو - تحمل صناع هجراتٍ عظمى كافة التحديات البيئية التي يمكنك تخيلها، فضلاً عن حالة الارتباك المصاحبة لإنتاج الفيلم. لقد عاد كل مصور من مصورينا الذين تجاوز عددهم الخمسين يحمل في جعبته قصصًا بطولية عن صراعات صناع أفلام ناشونال جيوغرافيك والنجاحات التي تحققت في النهاية في مختلف الأماكن حول العالم.

منذ ثلاثة أعوام كان لدى فريق هجراتٍ عظمى طموحاتٍ واسعة؛ فقد كنا نريد بصفة أساسية تغيير تجاوب المشاهدين مع الكائنات المهاجرة، لقد كان لدى الفريق شعارٌ؛ فمنذ اليوم الأول تصوَّرنا أنه عندما يكتمل هذا العمل، ويشاهد الناس هذه السلسلة؛ فإنهم ربما يستيقظون في اليوم التالي وينظرون مليًّا إلى الحقول أو فوق البحر أو إلى السماء، ومتى رأوا قطيعًا من الكائنات المهاجرة؛ فلن يتوقفوا فقط ليقولوا: "يا له من منظر رائع..."؛ بل سيقولون: "نحن نساندك...".
وإنا نأمل أن تعمل كافة المشاهد التي تحويها أفلامنا وامتدادات هذا المشروع كمرشدٍ لك، تذكرنا بأن الحياة توجد فقط حينما نرتحل معًا.. ونصمد مجتمعين.

 

 

إعلانات

الصور

الفيديوهات